(Source: bisontevolador)
“لبني
لا أدري بأي حق أوجه إليك رسالتي هذه . ولا أدري لماذا أكتبها إليك انت . و لكني ضاق صدي و أنغلق وجدت نفسي أمام الورق أكتب إليك. ربما كصديقين نتفهم بعضنا و نفهم بعضنا . ربما كروحين قلقين تتواصلان كي تستمرا علي قيد الحياة . علي كل حال ها أنذا أكتب إليك.
لماذا يضيق صدري ؟ كنت تسألين هذا النهار . لأقل لك الإجابة الآن. كيف لا يضيف صدري و أنا أري حولي كل يوم كل هذا الظلم و كل هذا العبث ؟ هل رأيتِ الرجل الممدد أمام سور كلية الفنون التطبيقية و هو غارق في أسماله و الحشرات من حوله و الجرح الذي ينزف بوجهه طوال الوقت ؟ هل رأيتيه ؟ ألم تشعري بالمسئولية تجاهه ؟ كيف أمر من أمامه دون أن أدوس علي قلبي . بالأمس أعطيته نقوداً و لكن اليوم وجدته كما هو . و من أدراك كم مثله في أرجاء القاهرة وحدها و كم مثله و أسوأ منه في هذه الأرض.
ألسنا كلنا بشراً يا لبني . لماذا إذن يموت آلاف منا جوعاً و يحيا آخرون في بذخ ؟ و لماذا حين يولد طفل في ريفنا المسكين لا يكون له الفرصة التي ينالها طفل سويسري ؟ ما الفرق بين الطفلين عند الولادة ؟
و لماذا أتحدث اليوم ، كل مشعول بهمه ، بلقمته و رزقه هو ، دون أن يفكر لحظة أن رزقه و رزق غيره مرتبطان.
و هذه المدينه القاهرة ، هي قاهرة بحق ، كأنها تدوس بمبانيها ، بزحامها و ترابها و ضجيجها علي عتبات روحي فتخنقني و أحاول أن أفر من وطأة قدمها علي قلبي فتنسد أبوابها دوني . أبقي ملقي هكذا في هذه المدينة الجامعية القاتلة الحقيرة . في هذا المنفي المنعدم الملمح . محبوساخلف الأسوار بين هذه الجدران الكالحة.
و الرفاق ؟ ” ما من أحد يعرف في هذا المنفي أحداً” . مع أني من أصول ريفية مثلهم ، إلا أنهم مختلفون فعلاً عني . هم لا يأبهون لشئ سوي الوجبة الغذائية و المحاضرات و لديهم ما يشبه الغريزة الفطرية التي تحول بينهم و بين الدخول في أي موضوع قد يتسبب في مشاكل لهم . يسيرون في نهر الحياة الذي يسقون منه حقولهم دون أن يكونوا مستعدين لحظة واحدة للنظر في توزيع الماء و الأرض . كأنهم شجر.
و زملاء النادي ؟ لا أدري هل هم يعقدون الأمور أكثر من اللزم ؟هل يبحثون عن الخلاف و عن العناوين المثيرة ؟ ربما. و لكن الأدهي من ذلك هو عدم الإخلاص الذي يظهر من كلمة . من تعبير . من لفتة . و غير ذلك مما لا أحب الخوض فيه الآن .
فأين المفر ؟ كيف أجد لروحي منفذاً كي تخرج ؟ و كيف أجد طريقي كل نجعل الحياة أجمل و أنقي و أعدل ؟ “
من أوراق فخر الدين
مقتل فخر الدين
رواية
عز الدين شكري فشير
“أنا من هنا. وهنا أنا. دوّى أبي: أنا من هنا وأنا هنا. وأنا أنا. وهُنا هُنا. إني أنا. وأنا أنا. وهنا أنا وأنا أنا. وهنا أنا. وأنا هنا. إني هنا. وأنا أنا ودَنا الصدى. كسرَ المدى قامت قيامتهُ. صدىً وجَد الصّدى دوّى الصدى. أبداً هنا. هنا أبداً. وغدا الزمانُ غدا بدا شكلُ الصدى بلداً هنا. ورَدَ الصدى، فاكسرْ جدارَ الكونِ يا أبتي. صدىً حولَ الصدى، ولتنفجرْ أنا منْ هنا. وهنا أنا. وأنا أنا. وهنا أنا. وأنا أنا”
محمود درويش



